ملا محمد مهدي النراقي
215
جامع السعادات
بينهما : إن من كفر نعمة الله فقد كفر كل نعمة في الوجود ، فمن نظر إلى غير محرم - مثلا - فقد كفر ، ففتح العين نعمة الله في الأجفان ، ولا تقوم الأجفان إلا بالعين ، ولا العين إلا بالرأس ، ولا الرأس إلا بجميع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر وسائر الكواكب ، ولا يقوم شئ من ذلك إلا بالسماوات ولا السماوات إلا بالملائكة . فإن الكل كالشئ الواحد ، يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض . فإذا قد كفر كل نعمة في الوجود ، من ابتداء الثرى إلى منتهى الثريا . وحينئذ لا يبقى جماد ولا نبات ولا حيوان ، ولا ماء ولا هواء ، ولا كوكب ولا فلك ولا ملك ، إلا يلعنه . ولذلك ورد في الأخبار : ( أن البقعة التي يجتمع فيها الناس ، إما تلعنهم إذا تفرقوا ، أو تستغفر لهم ) . وكذلك ورد : ( إن الملائكة يلعنون العصاة ) . وورد : ( أن العالم يستغفر له كل شئ ، حتى الحوت في البحر ) . وأمثال هذه الأخبار الدالة على ما يفيد المراد خارجة بطرفه عن الاحصاء ، وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة يجني على جميع الملك والملكوت . ثم جميع ما ذكرناه إنما يتعلق بجزء من المطعم ، فاعتبر ما سواه . ثم تأمل هل يمكن أن يخرج أحد عن عهدة الشكر ؟ كيف ولله في كل طرفة على كل عبد من عبيده نعم كثيرة خارجة عن الاحصاء ؟ فإن في كل نفس ينبسط وينقبض نعمتين ، إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب ، ولو لم يخرج لهلك ، وبانقباضه يجتمع روح الهواء إلى القلب ، ولو لم يدخل نسيم الهواء فيه لا نقطع قلبه وهلك . ولم كان اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة وفي كل ساعة يوجد ألف نفس تخمينا ، وإذا اعتبرت ذلك وقست عليه سائر النعم ، يكون عليك في كل يوم وليلة آلاف ألوف نعمة في كل جزء من أجزاء بدنك ، بل في كل جزء من أجزاء العالم ، وكيف يمكن إحصاء ذلك ولذلك قال الله - تعالى - : ( وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) 16
--> ( 16 ) إبراهيم ، الآية : 34 النحل ، الآية : 18